أحداث الداخلة|تقارير

“لوموند” ومهنية الصحافة… حين تتجاوز التكهنات حدود الواقع

Screenshot_2025-08-29-22-26-46-117_com.twitter.android-edit

في الآونة الأخيرة، أثارت سلسلة مقالات نشرتها صحيفة “لوموند” الفرنسية حول جلالة الملك محمد السادس ردود فعل واسعة وغاضبة في الأوساط المغربية، الرسمية والشعبية على حد سواء.

المقال، الذي حمل عنوان “في المغرب، أجواء نهاية عهد لمحمد السادس”، لم يكن مجرد تحليل صحفي، بل بدا أقرب إلى محاولة لتشويه الحقائق والتكهن بمستقبل المغرب بناءً على سردية مسبقة تفتقر إلى المهنية والموضوعية.

إن هذا النوع من الصحافة، الذي يتجاوز حدود التحليل الموضوعي ليغوص في بحر التكهنات الشخصية والتقارير غير الموثوقة، يثير تساؤلات جدية حول المعايير الأخلاقية والمهنية التي يفترض أن تلتزم بها مؤسسات إعلامية بحجم “لوموند”.

التكهنات الصحية: تجاوز غير مقبول للحدود الشخصية

يستهل مقال “لوموند” بوصف دقيق ومبالغ فيه لحالة جلالة الملك محمد السادس الصحية ومظهره الجسدي، مستشهداً بمشاهد من صلاة عيد الأضحى، ثم محاولاً التوفيق بينها وبين ظهور لاحق للملك وهو يمارس الرياضات المائية. هذا التركيز المفرط على الجانب الشخصي وصحة الملك، واعتباره مؤشراً على “نهاية عهد”، يُعد تدخلاً سافراً في الشؤون الخاصة، ويتنافى مع أبسط قواعد الاحترام والمهنية الصحفية. فصحة القادة، ما لم تؤثر بشكل مباشر على أدائهم العام وتكون موثقة بمصادر رسمية، تظل جزءاً من حياتهم الشخصية التي لا يجوز الخوض فيها بهذا الشكل التكهني.

إن محاولة بناء سردية كاملة حول مستقبل بلد بأكمله استناداً إلى ملاحظات شخصية حول مظهر قائد، هو أمر يفتقر إلى أي أساس صحفي رصين.

صراعات الخلافة المزعومة: فبركة أم تحليل؟

لم يتوقف المقال عند التكهنات الصحية، بل ذهب أبعد من ذلك ليلمح إلى “صراعات نفوذ ومؤامرات بين فصائل النخبة” حول “أفق الخلافة”. هذا الطرح، الذي يفتقر إلى أي دليل ملموس أو مصادر موثوقة تدعمه، يضع مصداقية “لوموند” على المحك. فالتكهن بوجود صراعات داخلية ومؤامرات دون تقديم أدلة قوية يمكن التحقق منها، يمكن أن يُفسر على أنه محاولة لزعزعة الاستقرار أو نشر الشائعات المغرضة. إن الصحافة المهنية تقتضي التحقق من المعلومات وتقديمها بوضوح، لا نسج قصص خيالية بناءً على تحليلات سطحية أو أجندات خفية.

ولي العهد: حضور طبيعي لا يعني “نهاية عهد”

يتطرق المقال إلى حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن في مناسبات رسمية، مثل استقباله للرئيس الصيني، ويصف ذلك بأنه “التعميد الرسمي لنشأة ملك مقبل”. في حين أن هذا الحضور هو جزء طبيعي من إعداد ولي العهد لمهامه المستقبلية، وهو تقليد راسخ في الأنظمة الملكية حول العالم، فإن ربطه بـ”نهاية عهد” الملك الحالي هو جزء من السردية التي يحاول المقال فرضها. إن محاولة قراءة الأحداث الطبيعية في سياق مؤامرات أو “نهاية عهد” هي دليل على التحيز المسبق الذي يوجه قلم الكاتب، بدلاً من التحليل الموضوعي للواقع.

التشكيك في قيادة المغرب: تجاهل للإنجازات والتحديات

على الرغم من الإشارة إلى الخطاب الرسمي الذي يؤكد أن ضعف الملك لا يهدد قيادته، إلا أن المقال يطرح تساؤلات حول “المعضلة الحقيقية بالنسبة إلى مغرب يواجه تحديات اجتماعية واقتصادية هائلة… وهي تحديات تستلزم حُكماً حازماً”. هذا التشكيك في قدرة المؤسسة الملكية على مواجهة التحديات، يتجاهل تماماً الإنجازات الكبيرة التي حققها المغرب في مختلف المجالات تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، كما يتجاهل الجهود المبذولة لمواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية. إن تقديم صورة أحادية الجانب، تركز على السلبيات المفترضة وتتجاهل الإيجابيات والجهود المبذولة، هو أمر يتنافى مع مبدأ التوازن الذي يجب أن تتحلى به الصحافة المهنية.

“المخزن”: تبسيط مخل لمفهوم تاريخي

يستخدم المقال مصطلح “المخزن” ويصفه بأنه “مصطلح لا ترجمة دقيقة له، يشير إلى منظومة السلطة في المغرب، ويمتد ليعني القصر الملكي نفسه”. هذا التبسيط المخل لمفهوم تاريخي وسياسي معقد، يعكس عدم فهم عميق للواقع المغربي. فـ”المخزن” ليس مجرد “منظومة سلطة غامضة”، بل هو مفهوم تاريخي يمثل استمرارية الدولة المغربية عبر العصور، ويشمل مؤسسات وأعرافاً راسخة. إن تصويره بهذه الطريقة قد يكون جزءاً من محاولة لتنميط الأنظمة الملكية في المنطقة بطريقة سلبية.

ردود الفعل المغربية: صوت الشعب ضد التشويه

لم تمر مقالات “لوموند” دون رد فعل قوي من الأوساط المغربية. فقد عبرت العديد من الأحزاب السياسية والشخصيات العامة والتنظيمات المدنية عن إدانتها الشديدة لما اعتبرته “اعتداء جديد” على “ثوابت المملكة”. وصفت هذه المقالات بأنها “أقنعة مزيفة ومناورات مفضوحة” تهدف إلى استهداف شخص الملك والمؤسسات المغربية. واتهمت الردود المغربية الصحيفة بالافتقار إلى المهنية والموضوعية، والاعتماد على “الشائعات والتكهنات” بدلاً من الحقائق الموثوقة.

إن هذه الردود تعكس التلاحم القوي بين الشعب المغربي والمؤسسة الملكية، التي تعتبر ركيزة أساسية من ثوابت الأمة. وشددت على أن الملكية في المغرب تحظى بمكانة خاصة وتاريخية، وأن أي هجوم عليها هو هجوم على الشعب المغربي بأسره. كما أكدت الردود على أن المغرب يواصل مساره التنموي والإصلاحي تحت قيادة جلالة الملك محمد السادس، وأن مثل هذه المقالات لن تؤثر على استقرار المغرب وتقدمه.

خاتمة: دعوة إلى المهنية والمسؤولية

في الختام، إن ما نشرته “لوموند” حول جلالة الملك محمد السادس والمغرب يمثل انزياحاً خطيراً عن مبادئ الصحافة المهنية والمسؤولة. فبدلاً من التحليل العميق والموضوعي، لجأت الصحيفة إلى التكهنات الشخصية، والتركيز على الجوانب غير ذات الصلة، وتقديم سردية أحادية الجانب. إن هذا النوع من الصحافة لا يخدم الحقيقة، ولا يساهم في بناء جسور التفاهم بين الشعوب، بل يغذي الشائعات ويشوه الحقائق.

إننا ندعو “لوموند”، وغيرها من المؤسسات الإعلامية، إلى الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية للصحافة، والتحقق من المعلومات، وتقديم رؤية متوازنة وشاملة للأحداث، بعيداً عن التحيزات المسبقة والأجندات الخفية. فمصداقية الصحافة هي رأسمالها الحقيقي، ولا يمكن الحفاظ عليها إلا بالالتزام الصارم بمبادئ الموضوعية والمهنية والمسؤولية.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي أحداث الداخلة