رَسَائل الصَّداقة و السَّلام بين الرِّباط و تَل أَبيبْ

بقلم : البَرَّاق شادي عبد السلام

بخطوَات تاريخية واثقة و رؤية سياسية واضحة وبمواقف ديبلوماسية راسخة على المبادئ الغير قابلة للتّجزيئ أو التّفاوض مُرتكزةً على مَعاييرَ رفيعةً تنهل من القِيم الإنسانية الخَالدة و إلتزامات الأمَّة المَغربية الدائمة بالإنخراط الفعلي و الجَاد و المسؤول في القضايا الإنسانية العادلة و خدمة أهداف السَّلام الدولي، عزّزت المملكة المغربية الشريفة حُضورها الإقليمي و أكدت على دَورها العالمي الجديد كقوة إقليمية صاعدة تُؤثر بشكل إيجابي في كل المَلَفات التي تتداخل مع إهتماماتها و إلتزاماتها التاريخية و الحضارية بإختيار نهج ديبلوماسي مُتكامل يَرنو للحفاظ على مَكانتها و دَورها التاريخي كَحاضرة كُبرى للتعايش الإنساني .

المملكة المغربية كانت لها الشجاعة و الجرأة أن تتخذ قرارها السيادي بإقامة علاقات دبلوماسية سياسية و إقتصادية مع دولة إسرائيل قبل سنتين و نيف على إثر الإتفاق الثلاثي بين المغرب و الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل الذي يمكن إعتباره إنتصارا سياسيا للديبلوماسية المغربية تجسد في الإعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية ، هذا الإنتصار السياسي والدبلوماسي الكبير الذي تحقق بتوقيع الإتفاق الثلاثي لم يكن فقط نتيجة للجهود الدبلوماسية المكثفة وطويلة المدى بين الدول الثلاث و إنما هو نتيجة منطقية لطبيعة العلاقات البينية بين الدول الثلاث التي تربطها علاقات ذات أبعاد متعددة تشمل التطابق في وجهات النظر على المستوى السياسي و الشراكات الإقتصادية ذات الآفاق الواعدة و المستدامة ثم التنسيق المشترك على جميع الأصعدة و في جميع المجالات تؤطرها رؤية متبصرة لطبيعة التحديات و الرغبة الأكيدة في إتخاذ مسارات صحيحة بعيدة عن الصراعات التصادمية أو العمل على التلاعب بأمن الشعوب خدمة لمصالح جيوسياسية ضيقة ،حيث أثبتت المملكة عبر هذه الخطوة على وفاءها لدورها التقليدي عبر التاريخ المجيد للأمة المغربية كدولة راعية للسلام و الأمن في العالم و أرض للتعايش و السلام و أثبتت أنها تمتلك تصورا جد متقدم لتحقيق الإستقرار الإقليمي من بوابة التنمية المستدامة للشعوب و نبذ الصراعات المجانية و تبديد الموارد الإقتصادية في الحملات التضليلية المشبوهة و السياسات العدائية التي تنهل من القاموس النمطي المتهالك لمفردات الخطاب السياسي لخمسينيات و ستينيات القرن الماضي بشروطه الذاتية و الموضوعية المتجاوزة في عصر الحدود المفتوحة و الذكاء الإصطناعي و التقدم التكنولوجي الهائل و التطور المعرفي المتسارع .

في رسالة إلى جلالة الملك محمد السادس أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي السيد بنيامين نتنياهو إعتراف دولة إسرائيل بسيادة المغرب على كامل أراضيه في الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية مع الإشارة إلى التفكير بشكل جدي في فتح قنصلية إسرائيلية بالداخلة إستكمالا للخطوات العملية المدرجة في الإتفاق المغربي – الإسرائلي – الأمريكي دجنبر 2020 .
يقوم القرار الإسرائيلي الأخير المتعلِّق بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية على مبادئ العقلانية والواقعية في التعامل مع التطورات التي يعرفها عالم مابعد كورونا و تداعيات صراع المحاور على الأمن العالمي و كذا المكتسبات التي راكمها المغرب سياسيا و إقتصاديا و إجتماعيا و تنمويا في الصحراء المغربية ،هذا القرار في عمقه يهدف إلى ضمان المصالح العليا لكل من الشعبين المغربي والإسرائيلي على حدِّ سواء حيث يفتح هذا القرار آفاقًا جديدة للعلاقات بين البلدين وذلك من خلال العمل على عدة مسارات مختلفة مثل التعايش الإنساني والإنسجام في المواقف و التطابق في وجهات النظر وتنويع مجالات التنسيق والعمل على ترقية العلاقات الديبلوماسية و تعزيز العلاقات الإقتصادية و ذلك بهدف تحقيق أهداف إستراتيجية ستؤثر إيجابًا على الأمن و الإستقرار في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط على حد سواء و تساهم في ضمان السلم و الإستقرار العالمي .

لذا فإعتراف إسرائيل بمغربية الصحراء في هذا التوقيت هو إستكمال لمسار سياسي إبتدأته تل أبيب مع الرباط وفق الإتفاق الثلاثي بين المغرب و الولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل و الذي يفتتح بموجبه الجانبان فصلا جديدا من التعاون و التنسيق في جميع المجالات وفق المصالح العليا للشعب المغربي و الإسرائيلي على حد السواء ؛ كما أنه يندرج في إطار النجاحات الكبرى التي حققتها و تحققها الديبلوماسية المغربية خاصة مع النجاح الكبير لنهج “ديبلوماسية القنصليات ” في ترسيخ سيادة المغرب على صحرائه ،فقرار فتح 28 دولة لقنصلياتها في الصحراء المغربية يعكس إلتزامًا دوليًا قويًا بدعم سيادة المغرب على هذه المنطقة، ويمثل إشارة إيجابية إلى المجتمع الدولي بأسره بشأن موقفه من هذا الصراع و يكرس حالة الإجماع الدولي و الإقليمي على إعتبار مبادرة الحكم الذاتي كأساس وحيد للحل الواقعي والجاد وذو المصداقية للنزاع المفتعل حيث تمت تزكية هذا الموقف من قبل القرارات الأممية و الولايات المتحدة الأمريكية و المواقف الداعمة اللاعبين الكبار في السياسة الدولية إلى جانب أطراف دولية وقارية أخرى .

في جانب آخر نجد الرسالة الملكية السامية إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السيد بنيامين نتنياهو تعكس الإلتزام الكامل و الإنخراط الفعلي للمملكة المغربية في مسار بناء علاقات ديبلوماسية فاعلة و متوازنة مع أصدقاءنا في تل أبيب حيث أن القرار الإسرائيلي الأخير القاضي بالإعتراف بسيادة المغرب الكاملة على الصحراء المغربية يجسد هذه الصداقة و يبرهن على صدق النوايا و الأفعال هذا القرار الذي أثنت عليه الرسالة الملكية و أعتبرته قرارا صائبا و متبصرا ستكون له إنعكاسات جد إيجابية على تطور العلاقات بين الرباط و تل أبيب و مآلات التعاون في شتى المجالات و القطاعات .
فالرسالة الملكية السامية يمكننا إعتبارها إطارا مرجعيا جديدا للديبلوماسية المغربية سيحدد طبيعة العلاقات الثنائية مع إسرائيل و مجالات إشتغالها وفق إلتزام ملكي ثابت و راسخ بدعم كل المبادرات التي ترنو لتعزيزها كما أنه يقدم دفعة كبرى للجهود المبذولة للرقي بهذه العلاقات بما يتناسب و الروابط المتينة التي تربط المغرب مع إسرائيل بوجود جالية مغربية مهمة في إسرائيل لازلت تربطها أواصر البيعة مع العرش العلوي المجيد و الإنتماء لأرض الوطن .

جلالة الملك نصره الله في ذات الرسالة يوجه الدعوة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي لزيارة المغرب مما سيعطي للعلاقات المغربية الإسرائيلة شكلا مؤسساتيا مبنيا على شراكات طويلة الأمد قد ترقى في مرحلة قادمة لحوار إستراتيجي يشمل جميع مجالات التعاون الممكنة و تؤكد على رغبة المغرب ملكا و حكومة و شعبا في تطوير هذه العلاقات و تعزيزها لترقى إلى شراكة إستراتيجية.
الرسالة أيضا تؤكد على الدور الإستراتيجي الذي يمكن للمغرب أن يقوم به في ملف السلام بالشرق الأوسط من خلال تقريب وجهات النظر مع التمسك بالمبادئ التوجيهية التي تحكم آليات وآفاق تسوية النزاع الفلسطيني -الإسرائيلي ؛الديبلوماسية المغربية وفق التوجيهات الملكية السامية تُمَوْقِعُ المغرب كقوة إقليمية فاعلة في محيطها الإقليمي و تؤكد على إستعدادها اللامشروط لإستثمار حضورها المتميز و شبكة علاقاتها في تعزيز فرص السلام و الأمن ، فهذه الخطوة ليست مجرد إجراء دبلوماسي روتيني عادي كما يتوهم البعض بل هي خطوة كبرى تهدف إلى تحقيق الإستقرار في المنطقة وتعزيز التعاون بين الشعبين المغربي والإسرائيلي ، حيث أن المغرب من خلال تعميق علاقته مع الجانب الإسرائيلي وفق قواعد ديبلوماسية واضحة بإمكانه لعب أدوار طلائعية و فاعلة في سبيل إنجاح فرص السلام في الشرق الأوسط بسبب العديد من العوامل أهمها المصداقية و المسؤولية و الوضوح التي تميز الديبلوماسية المغريية كما أن الحضور الدائم للمغرب في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال ترؤس جلالة الملك محمد السادس لجنة القدس التي تترجم حرص جلالته على حماية المقدسات الإسلامية و المسيحية و اليهودية في القدس الشريف و الأراضي الفلسطينية ، تعتبر حلقة وصل بين المساعي السياسية التي يقوم بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والعمل الميداني الذي تقوم به وكالة بيت مال القدس الشريف، تحت الإشراف الشخصي والفعلي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله .

قرار إسرائيل بالإعتراف بمغربية الصحراء يمثل خطوة إستراتيجية مهمة في تعزيز العلاقات الثنائية بين المملكة المغربية و إسرائيل، وهو نتاج للجهود المتواصلة في كل من الرباط و تل أبيب من أجل تعزيز التعاون والتفاهم المشترك ، فهذه الخطوة تعكس الرؤية المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس في تدبير المملكة المغربية لسياستها الخارجية وفق مبادئ راسخة ترتكز على الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية والقانون الدولي مع العمل الجاد للحفاظ على السلم والاستقرار في العالم من خلال التعاون مع كافة الدول التي تتشارك مع المملكة المغربية نفس المبادئ و الأهداف حيث أن تطوير العلاقات الثنائية سيساهم في تعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات بما في ذلك التعاون في مجالات التجارة الخارجية و الفلاحة والإستثمار والسياحة والتعليم والعلوم والتكنولوجيا .

من وجهة نظري يجب تناول موضوع الإعتراف الإسرائيلي من مدخلين أساسين أولهما أن هذا الإعتراف كما أكدنا سابقا في هذا المقال هو تكريس لدينامية عمل متوازنة برؤية دقيقة تشتغل من خلالها الديبلوماسية المغربية على فرض واقع سياسي جديد يكرس للسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية بعنوان “ديبلوماسية القنصليات ” حيث أنه الإطار الحقيقي لإدراج الإعتراف الإسرائيلي لأن تل أبيب اليوم تلتحق بعشرات من العواصم في العالم التي إتخذت مواقف واضحة لا تحتمل اللبس من قضية الوحدة الترابية للمملكة المغربية و عليه فالمغرب ملكا و حكومة و شعبا لديه إلتزام أخلاقي بتعزيز علاقاته مع أي دولة تخرج من المنطقة الرمادية و المواقف الأنعزالية إلى رحابة التعاون و السلام و التنسيق لخدمة الشعوب و رفاهيتها و إزدهارها .
ثانيهما هو صياغة هذا القرار الديبلوماسي الإستراتيجي بحكم أبعاده المتعددة يتطلب دراسة معمقة وتحليلا دقيقا لجميع الإنعكاسات المحتملة على المدى القصير والبعيد ، وعلى مختلف المستويات، سواء كانت سياسية، إقتصادية، أمنية، أو غيرها لذا فهو عملية معقدة تتطلب توافر المعلومات اللازمة والتحليل الدقيق للوضع الراهن والتوقعات المستقبلية وتحديد الأهداف المرجوة والسيناريوهات المختلفة وتحليل النتائج المترتبة على كل سيناريو. حيث قد يتأثر هذا القرار الديبلوماسي الإستراتيجي بالعديد من العوامل المتعلقة بالسياسة والإقتصاد والأمن والشؤون الداخلية والخارجية و على هذا الأساس فقد تم إتخاذ قرار تطوير هذا المسار الديبلوماسي من طرف العقل الإستراتيجي المغربي بحكمة مدروسة و بقراءة دقيقة مستفيضة لكل التطورات بشكل يتوافق مع المصالح العليا الإستراتيجية للشعب المغربي مما يتطلب جهود التعبئة و التعاون و التنسيق لتوفير الدعم اللازم لتنفيذه ومتابعة النتائج عن قرب .

و في نفس السياق لا يمكننا تناسي الدور المركزي للمملكة المغربية في نصرة القضايا العادلة في الملف الفلسطيني و الذي يندرج في إطار الإلتزام الكامل للمملكة المغربية الشريفة و لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بإعتباره رئيس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي ، بدعم القضايا العادلة في الملف الفلسطيني و الحفاظ عن المقدسات الإسلامية في القدس الشريف و إحترام حرية ممارسة الشعائر الدينية لأتباع الديانات السماوية الثلاث، وحماية الطابع الإسلامي للمدينة المقدسة وحرمة المسجد الأقصى و دعم جهود تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط ، حيث أنها مواقف ثابتة و رسالة واضحة للداخل و الخارج بأن المغرب ينتهج ديبلوماسية الوضوح و الشفافية و الدفاع عن المصالح القومية العليا وفق مبدأ إحترام حقوق الآخرين بشكل ينزع صفة الوكيل التجاري لبعض الكيانات و الأنظمة و التنظيمات و الجماعات و الأحزاب التي جعلت من القضية الفلسطينية أصلا تجاريا لإستخدامه وقت الحاجة لخدمة مصالح جيوسياسوية و إنتخابوية ضيقة، حيث يترجم هذا الموقف الثابت الشعور الجماعي للشعب المغربي الأصيل و العريق الملتف بكل ثقة حول قيادته و قراراتها و مواقفها .

المغرب يقدم نفسه كشريك إستراتيجي متمكن من كل الأوراق و الملفات الإقليمية بشكل دقيق و عليه فإن ترسيخ العلاقات المغربية الإسرائيلية في ظل الظروف الإقليمية و العالمية الحالية هو إمتداد لصيرورة تاريخية من الفعل الديبلوماسي المتزن و المتوازن و إستمرار للعقيدة الديبلوماسية المغربية التي أصبحت مدرسة عالمية في تدبير العلاقات السياسية و الإقتصادية بين الدول الصديقة.
تحركات الديبلوماسية المغربية اليوم هي ترجمة متقدمة لمغرب النموذج التنموي الجديد الذي يجسد إختيار مغرب الجرأة و التمكين الذي لا رجعة فيه في الإنفتاح على محيطه الإقليمي و الدولي و الإلتزام الدائم بالدفاع عن القضايا المشتركة و المساهمة في رفع التحديات العالمية بشكل مسؤول ، هذا الإختيار يساهم في إشعاع المغرب إنطلاقا من خصوصيات المملكة المغربية الشريفة و تفرد سياقاتها و ثوابتها و مقدساتها و إصرارها على إحترام سيادتها و وحدتها الترابية في تدبير علاقاتها مع العالم .

قد يعجبك أيضا